أبي بكر جابر الجزائري
191
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
سَفاهَةٍ أي حمق وطيش وعدم بصيرة بالحياة وإلا كيف تخرج عن إجماع قومك ، وتواجههم بعيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم ، وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ فيما جئت به أي من الرسالة ، ودعوت إليه من التوحيد ونبذ الآلهة غير اللّه تعالى ، فأجاب هود عليه السّلام رادا شبهتهم فقال : يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أي أني لست كما تزعمون أن بي سفاهة ولكني أحمل رسالة أبلغكموها ، وأنا في ذلك ناصح لكم مريد لكم الخير أمين « 1 » على وحي اللّه تعالى إلي ، أمين لا أغشكم ولا أخونكم فما أريد لكم إلا الخير . ثم واصل دعوته فقال أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي أكذبتم برسالاتي وعجبتم من مجيئكم ذكر من ربكم عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ أي عواقب كفركم وشرككم ، أمن مثل هذا يتعجب العقلاء أم أنتم لا تعقلون ؟ . ثم ذكرهم بنعم اللّه تعالى عليهم لعلّها تحدث لهم ذكرا في نفوسهم فيتراجعون بعد عنادهم وإصرارهم فقال : وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ « 2 » مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ أي بعد أن أهلكهم بالطوفان لإصرارهم على الشرك وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً « 3 » أي جعل أجسامكم قوية وقاماتكم طويلة هذه نعم اللّه عليكم فَاذْكُرُوا آلاءَ « 4 » اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ لأنكم إن ذكرتموها بقلوبكم شكرتموها بأقوالكم وأعمالكم ، وبذلك يتم الفلاح لكم ، وهو نجاتكم من المرهوب وظفركم بالمحبوب وذلك هو الفوز المطلوب . هداية الآيات من هداية الآيات : 1 - الدعوة إلى عبادة اللّه وترك عبادة ما سواه وهو معنى لا إله إلا اللّه . 2 - مشروعية دفع الاتهام ، وتبرئة الإنسان نفسه مما يتهم به من الباطل . 3 - من وظائف الرسل عليهم السّلام البلاغ لما أمروا بإبلاغه .
--> ( 1 ) الأمين : هو الموصوف بالأمانة ، والأمانة أعز أوصاف البشر وفي الحديث ( لا إيمان لمن لا أمانة له ) ويروى : ( لمن لا أمان له ) . ( 2 ) الخلفاء : جمع خليفة وهو الذي يخلف غيره في شيء أي : يتولى العمل الذي كان يقوم به الآخر ، كما يجمع خليفة على خلائف . ( 3 ) ويجوز بصطة : بالصاد أي طولا في الأجسام قيل كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعا ، فالزيادة كانت على خلق من قبلهم ، وذكر القرطبي أمورا عجبا لا يحسن ذكرها . ( 4 ) الآلاء : مفرده إلي ويعرف فيقال الإلي وهو : النعمة وهو على وزن عنب وأعناب ونظيره إني أي : الوقت والجمع آناء قال تعالى : وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ الخ .